يصرّ العدو الصهيوني، يوماً بعد يوم، على مواصلة اعتداءاته الإجرامية على لبنان، في انتهاك فاضح للسيادة الوطنية ولجميع المواثيق والقوانين الدولية؛ فقد استهدف بالقصف المدفعي بلدتي المنصوري وصربين، ونفّذ عمليات تمشيط بالأسلحة الرشاشة باتجاه الخيام وصربين، بالتزامن مع خرق الطيران المسيّر المعادي الأجواء اللبنانية، في مشهد يؤكد استمرار العدوان وغياب أي التزام بالقرارات والاتفاقات الدولية.
إن ما يجري في القرى الجنوبية لا يمكن اختزاله باعتداءات عسكرية متفرقة، بل يندرج في إطار سياسة صهيونية ممنهجة تستهدف الأرض والإنسان والذاكرة، وتسعى إلى تحويل البلدات الحدودية إلى مناطق منكوبة غير صالحة للحياة. فالعدو لا يكتفي باستهداف المنازل والمنشآت والبنى التحتية والأراضي الزراعية، وإنما يتعمد كذلك محو الملامح العمرانية والتاريخية للقرى الجنوبية، وتدمير تراثها وبيوتها القديمة ومعالمها التي تختزن ذاكرة أهلها وهويتهم الوطنية. إن تدمير القرى وتجريف أراضيها وإحراق حقولها واستهداف موارد رزق أبنائها يشكّل محاولة واضحة لفرض التهجير القسري ومنع الأهالي من العودة إلى أرضهم، في تكرار للسياسة الصهيونية القائمة على اقتلاع السكان وتغيير معالم المكان وطمس تاريخه، غير أن أهل الجنوب، الذين قدموا التضحيات الجسام دفاعاً عن لبنان، سيبقون متمسكين بأرضهم وقراهم، ولن تنجح آلة الحرب الصهيونية في كسر إرادتهم أو انتزاعهم من جذورهم.
وأمام هذه التطورات، فإن مجلس الأمناء في تجمع العلماء المسلمين في لبنان يعلن ما يأتي:
أولاً: نؤيد دعوة وزارة الخارجية اليمنية الأنظمة العربية والإسلامية إلى اتخاذ مواقف عملية وموحدة إزاء اقتحام رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو أنفاق حائط البراق في محيط المسجد الأقصى المبارك. ونعتبر هذه الخطوة جريمة جديدة واستفزازاً متعمداً لمشاعر المسلمين في أنحاء العالم، ومحاولة لفرض وقائع تهويدية تستهدف هوية القدس ومقدساتها الإسلامية والمسيحية. إن خطورة ما جرى تستوجب موقفاً عربياً وإسلامياً موحداً يتجاوز بيانات الإدانة، ويتحول إلى تحرك سياسي ودبلوماسي وقانوني فاعل يحمي المسجد الأقصى ويضع حداً للانتهاكات الصهيونية المتصاعدة بحقه.
ثانياً: نتقدم بأحرّ التعازي إلى الأمة الإسلامية والحوزات العلمية وعلماء الدين بوفاة المرجع الديني الكبير سماحة آية الله العظمى السيد موسى شبيري زنجاني، سائلين الله تعالى أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يلهم محبيه وتلامذته وذويه الصبر والسلوان. لقد شكّل الراحل الكبير نموذجاً للعالم المحقق والمتبحر، وترك إرثاً علمياً وفقهياً مهماً ستبقى آثاره حاضرة في الحوزات والأوساط العلمية. وكما عبّر سماحة آية الله السيد مجتبى خامنئي، فإن فقدان هذه الشخصية الفذة أحدث ثلمة في صفوف كبار المحققين يصعب جبرها.
ثالثاً: نرحب باللقاء المرتقب بين رئيس مجلس الوزراء اللبناني الدكتور نواف سلام والرئيس الإيراني الدكتور مسعود بزشكيان، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، ونأمل أن يسهم في تعزيز العلاقات بين البلدين وتطوير التعاون القائم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، بما يعود بالخير على الشعبين اللبناني والإيراني. كما ندعو إلى اعتماد الحوار المباشر والمسؤول وسيلة لمعالجة أي تباينات، بعيداً عن الضغوط والتدخلات الخارجية التي لا تريد للبنان إقامة علاقات متوازنة مع الدول الشقيقة والصديقة.
رابعاً: نؤيد الموقف الذي أعلنه عمدة نيويورك زهران ممداني، واصفاً بنيامين نتنياهو بأنه «مجرم حرب ومهندس لعملية إبادة جماعية مروعة بحق الشعب الفلسطيني». ونرى في هذا الموقف تعبيراً عن تنامي الوعي العالمي بحقيقة الجرائم الصهيونية، ودليلاً على أن محاولات التغطية السياسية والإعلامية على المجازر المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني لم تعد قادرة على حجب الحقيقة. وندعو المجتمع الدولي إلى ترجمة هذه المواقف إلى إجراءات عملية تضمن محاسبة نتنياهو وسائر المسؤولين عن جرائم الحرب والإبادة، وتؤكد أن المجرمين، مهما حظوا بدعم سياسي، لا يجوز أن يبقوا فوق القانون والعدالة الدولية.